أحمد بن محمود السيواسي

162

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

مع رسول اللّه عليه السّلام « 1 » ، وهو في معنى النهي عن التخلف ، أي لا يكن لأهل المدينة والذين حول المدينة ( أَنْ يَتَخَلَّفُوا ) في الجهاد ( عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ) وأن يكونوا أبر وأشفق بأنفسهم من نفس محمد عليه السّلام وأن يتركوا محبته ، بل ينبغي أن يلقوا أنفسهم في الشدائد كما يلقي نفسه علما منهم بأن نفسه أعز نفس عند اللّه ، فإذا تعرضت للخوض في شدة مع كرامتها وعزتها عنده وجب على سائر النفوس أن تتهافت فيما تعرضت نفسه ( وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ) أي لا يختاروا بقاء أنفسهم على بقاء نفسه في الشدائد ، بل يتبعوه حيث ما يريد ( ذلِكَ ) أي النهي عن التخلف ( بِأَنَّهُمْ ) أي بسبب أنهم ( لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ ) أي عطش ( وَلا نَصَبٌ ) أي ولا تعب ( وَلا مَخْمَصَةٌ ) أي جوع ( فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً ) أي لا يدوسون « 2 » أرضا من أراضي الكفار من سهل أو جبل ( يَغِيظُ ) أي يحزن ( الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ ) أي ولا يصيبون ( مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا ) أي مصيبة من قتل أو غارة أو هزيمة ( إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ ) أي بكل واحد منها ( عَمَلٌ صالِحٌ ) أي ثوابه ( إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) [ 120 ] أي لا يبطل ثواب المجاهدين بالإخلاص ، فيه دليل على أن ما أصاب الرجل في دين اللّه من الشدة يكتب له بذلك أجر ، وبه استدل أبو حنيفة على أن المدد القادم بعد انقضاء المحاربة يشارك الجيش في الغنيمة « 3 » ، لأن وطء ديارهم يغيظهم ، وعند الشافعي لا يشاركهم فيها إلا بالحرب « 4 » . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 121 ] وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 121 ) ثم قال ( وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ) كتمرة ولقمة وعلاقة سوط في الجهاد ( وَلا كَبِيرَةً ) كما أنفق عثمان رضي اللّه من الجمال المجهزة وكانت ثلاثمائة ( وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً ) من الأودية بالدواب والمشي في طريق الغزو ومقبلين أو مدبرين ( إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ ) ثواب ذلك ( لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ ) يوم القيامة ( أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) [ 121 ] لأنه يعطي بحسنة واحدة عشرة إلى سبعمائة وإلى ما لا يدرك حسابه . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 122 ] وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ( 122 ) قوله ( وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ) نزل حين وبخهم اللّه على ترك النفير إلى الجهاد ، فإذا أرسل الرسول عليه السّلام سرية إلى الغزو نفروا جميعا وتركوا الرسول عليه السلام وحده بالمدينة « 5 » ، فقال تعالى لا ينبغي للمؤمنين أن ينفروا جميعا ، فاللام زائدة لتأكيد نفي النفير بأسرهم ، و « ينفروا » خبر « كانَ » المنفي ، وإذا كان نفير الكل عن أوطانهم غير ممكن لأجل النبي عليه السّلام ( فَلَوْ لا نَفَرَ ) أي فهلا خرج ( مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ ) أي من كل جماعة « 6 » كثيرة ( مِنْهُمْ ) أي من المؤمنين ( طائِفَةٌ ) أي جماعة يسيرة إلى الغزو في دين اللّه ويقيم مع النبي طائفة أخرى منهم ( لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ) أي ليتعلموا « 7 » الشرائع والأحكام في دين اللّه من النبي عليه السّلام ( وَلِيُنْذِرُوا ) أي وليخوفوا ويعظوا ( قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا ) أي إذا رجع السرايا من الغزو ( إِلَيْهِمْ ) أي إلى الطائفة القاعدة الذين تعلموا القرآن النازل على النبي بعدهم ، فيعلمونهم إياه ويقولون إن اللّه أنزل على نبينا بعدكم كذا وكذا ( لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) [ 122 ] أي يتعظون بما أمروا به ونهوا عنه ، ويخافون عقاب اللّه فيعملون به لا بخلافه ، وفيه دليل على أن أخبار الآحاد مقبولة يجب العمل بها ، لأن لفظ « الطائفة » يتناول الواحد فما فوقه ، وقيل : نزلت الآية تحريضا للمؤمنين أن ينفروا عن أوطانهم لطلب العلم النافع بصدق نية وغرض صحيح « 8 » ، وهو إنذار قومهم

--> ( 1 ) لعل المصنف اختصره من السمرقندي ، 2 / 81 . ( 2 ) أي لا يدوسون ، ب س : أي لا يدرسون ، م . ( 3 ) في الغنيمة ، ب س : في القسمة ، م . ( 4 ) أخذه عن الكشاف ، 2 / 219 . ( 5 ) عن ابن عباس ، انظر السمرقندي ، 822 ؛ والواحدي ، 223 ؛ والبغوي ، 3 / 128 . ( 6 ) أي من كل جماعة ، س : أي جماعة ، ب م . ( 7 ) ليتعلموا ، ب س : ليعلموا ، م . ( 8 ) لعله اختصره من البغوي ، 3 / 129 .